المناوي
414
طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )
أضعفته حتى لم يكن له طاقة بعملك السّيّئ . فقلت : يا بنيّة ، ما تفعلون في هذا الجبل ؟ قالت : أطفال المسلمين أسكنوا فيه إلى قيام السّاعة ننتظركم تقدمون علينا ، فنشفع لكم . قال مالك رحمه اللّه : فانتبهت فزعا مرعوبا ، فكسرت آلات المخالفة ، وعقدت مع اللّه عزّ وجلّ توبة نصوحا ، فتاب عليّ سبحانه . وحكى قال : كان لي جار يفعل الفواحش ، فتأذّى منه الجيران ، وأتوني فأحضرناه . وقلنا : اخرج من المحلّة . قال : أنا في منزلي لا أخرج . قلنا : بعه . قال : لا أبيع ملكي . قلنا : نشكوك للسّلطان . قال : أنا من أعوانه . قلنا : ندعو عليك . قال : اللّه أرحم بي منكم . فغاظني ذلك ، فلمّا جنّ اللّيل دعوت عليه ، فقيل لي : إنّه من الأولياء . فحضرت إلى بابه ، فخرج لي باكيا تائبا ، وفارقنا فلم نره إلّا بالمسجد الحرام مريضا مطروحا ، فلم يلبث أن مات . قال الغزالي « 1 » رحمه اللّه : قال مالك : لا يتّفق اثنان في عشرة إلّا إن كان في أحدهما وصف من الآخر ، وأشكال النّاس على أجناس الطّير ، فلا يتّفق نوعان منه إلّا وبينهما مناسبة ، فرأى يوما غرابا مع حمامة فعجب [ من ذلك فقال : اتّفقا وليسا من شكل واحد ] ، ثم طارا ، فإذا هما لأعرجان . قال : من هاهنا اتّفقا ، ولذلك قال الحكماء : كلّ إنسان يألف إلى شكله ، وإذا اصطحب اثنان برهة ولم يتشاكلا فلا بدّ أن يفترقا . انتهى . ودخل لصّ داره فما وجد شيئا يسرقه ، فجاء ليخرج ومالك ينظره ، فقال : سلام عليك ، اعلم أنّ شيئا من الدّنيا ما حصل لك ، فترغب في شيء من الآخرة ؟ قال : نعم . قال : توضّأ ، وصلّ . ففعل إلى الصّبح ، فخرج به مالك إلى المسجد ، فقال أصحابه : من هذا ؟ قال : هذا جاء يسرق فسرقناه . ومن كلامه : خرج أهل الدّنيا منها ولم يذوقوا أطيب شيء فيها وهو معرفة اللّه .
--> ( 1 ) إحياء علوم الدين 2 / 162 في أدب الأخوة والصحبة والمعاشرة ، الباب الأول ، فصل بيان معنى الأخوة في اللّه وتمييزها من الأخوة في الدنيا . وما بين معقوفين مستدرك منه .